مقالات

خان شيخون…كالقمح ينهض العلم بعينيه الخضراوين: شيفرة سورية: في الصمود والمقاومة والانتصار!

خان شيخون…كالقمح ينهض العلم بعينيه الخضراوين:
شيفرة سورية: في الصمود والمقاومة والانتصار!


بقلم: نصار إبراهيم

حن لا نقامر… بل نختار! 
[مش غلط لنقرأ مرة أُخرى… كتبت هذا المقال قبل ستة أعوام، (تحديدا في 20 أيار 2013)… اليوم تذكرت تلك الأيام وكم كانت خطيرة وصعبة… قاسية وملتبسة.. ومع ذلك وبالرغم من أهوال المرحلة إلا أن القناعة بسورية كانت راسخة وعميقة.. قلت سورية ستصمد وتقاوم وتقاتل وتنتصر… لكن بالرغم من هذه القناعة فأنني يومها قلت أيضا: ولكن كي لا يكون هذا االموقف مجرد انحياز عاطفي لا يسنده شئ، إذن يجب تحديد المرتكزات والحقائق التي تدعم هذه القناعة وتجعل منها حقيقة مقنعة… فكتبت ما كتبت…اليوم وأنا احتفل بانتصارات سورية المجيدة تذكرت ما كتبت.. لهذا أعيد نشره مرة أخرى… لكي نفهم بعض مقدمات وأسس الانتصارات التي نشهدها هذه الأيام في سورية… كما أنه قد يفيد بعض من التبست عليهم الأمور في بعض المراحل، وايضا لتذكير الخائبين الذين راهنوا على سقوط سورية الحضارة والعروبة والمقاومة… فإذا بها تكنسهم بكل جبروتها وصبرها وعنادها وعنفوانها وتبقى..].
***
20 أيار 2013
قبل أكثر من عامين (اليوم ثمانية أعوام)، بدأت الحرب العدوانية على سورية، كانت المواجهة ولا زالت ضارية وطاحنة، والأثمان باهظة بكل المقاييس.
في عام (2011) كتبت مقالا بعنوان: “الصراع على سورية هو صراع على المستقبل”، كتبت ذلك وأنا أدرك أن للشعب السوري العظيم مطالب وحقوق يجب تأمينها، ولكن بشرط أن لا يكون ثمن ذلك تدمير الدولة الوطنية السورية وتمزيق النسيج الإجتماعي السوري، اي تدمير سورية بمكانتها ورمزيتها ودورها وقدرها الذي امتلكته في التاريخ وفي الجغرافيا وفي صيرورة الحضارات البشرية منذ الأزل، فسورية بالنسبة لنا بمثابة الراية التي تواصل بث الأمل في أمة العرب.. ولهذا من غير المسموح أن تسقط تحت أقدام جحافل الغزو الإستعماري أو تحت أقدام التخلف بكل تعبيراته.
لقد كان ما كان، وها هي سورية تتقدم من موقع الاحتواء إلى موقع الصمود ثم التحدي وصولا إلى الانتصار ؟.
فما هو سر الشيفرة السورية التي وضعت الكون أمام لحظة التغيير العظيم أو الإنفجار العظيم..؟ ما هو سر دمشق التي عند أبوابها تنحني هامات الكبار وتتواضع؟ لماذا يرفض صغار العرب أن تنتصر دمشق لهم ولذاتها، فيحشدون ضدها كل قاتل ولص، يحشدون ضدها كل بؤسهم ونذالتهم المخيفة؟ هل لأن دمشق بعظمتها وعنفوانها وقدرتها على الإبداع تذكرهم بضآلتهم وانحطاطهم وضيق أفقهم؟ وبالمقابل ما الذي تراه روسية، الصين، وإيران في سورية ، فيصطفون في خندقها ليخوضوا المواجهة بكل استحقاقاتها، بينما لا يراه حمقى العرب؟.
المتأمل في صيرورة التاريخ، سيلاحظ أن لبعض الأمم والشعوب أقدار ومصائر وأدوار، وكأن التاريخ يختارها لكي تحفظ توازن الكون، وذلك لكي تعيد إليه توازنه عندما يتخطى ما تسمح به حركة التاريخ وقوانينه وحكمته، من تعديات واهتزازات، والتي معها يعتقد البعض بأنه يملك مقاليد الأرض والسماء، وأن بمقدوره أن يرسم مصائر الأمم كما يشاء.
من لا يدرك خصوصية الأمم وأدوارها وخصائصها عبر التاريخ، يسقط في محكمة التاريخ، يسقط تحت وطأة غباء القوة الراهن، فينسى أن للتاريخ الهيبة والقدرة على صفع من يتجاوز الحد والحدود، تلك ثقافة الوعي الطارئ، ثقافة وسلوك محدثي النعمة وحديثي الحضارة، ومسطحي الوعي والثقافة، تلك ثقافة من يعتقد أن مجرد امتلاكه للثروة أو القوة يعني أن بمقدوره شراء العالم أو قهرة، فيوغل في العتو والتوحش، ولكنه في لحظة فاصلة وحيثما لا يتوقع، بحكم غبائه، يصطدم فجأة مع ثوابت التاريخ بصورة ساحقة، كأن يتورط أو يتجاوز الخطوط الحمراء مع شعب أو أمة تدرك ذاتها وتدرك أدوارها وتعي ثوابتها، حينها تصطدم القيم والرؤى والمواقف والسياسات والمصالح، ولكن في سياقات غير السياقات التي يراها الساذجون، إنها لحظة المواجهة والاشتباك مع الأبعاد الكبرى الراسخة في أعماق الأمم المشبعة بذاتها ثقاقيا وحضاريا وروحيا ومعنويا، الأمر الذي يترجم عمليا إلى قوة نهوض ومقاومة وبسالة تفاجئ من تعود المواجهات السهلة والانتصارات الرخيصة.
هذا هو حال الأمم والشعوب الكبرى، التي قد تواجه انتكاسة أو تراجعا في بعض المراحل التاريخية لأسباب مختلفة، ولكنها لا تفقد القدرة على استعادة ذاتها وأدوارها.. ولدينا نماذج ساطعة على ذلك: الأمة الروسية، الأمة الصينية، الأمة الألمانية، واليابانية، وغيرها…. واليوم ها نحن نشاهد أسطورة اللحظة التاريخية الراهنة؛ سورية!
فما هي أسرار شيفرة هذا الصمود والتحدي السوري، وما سرّ تلك المناعة والمتانة التي أدهشنا بهما النسيج الإجتماعي السوري، وما سرّ تلك القدرة المذهلة على التحمل، وأين كان كل هذا المخزون العظيم من الوعي والبسالة كامنا؟.
الشعب السوري سرّ الأسرار؛ نقطة الإنطلاق الأولى لإدراك وفهم الذي جرى ويجري، هي وعي خاصيات الشعب السوري، فهو الحاضنة والإطار والبيئة التي أسست لمشهد أسطورة المقاومة والصمود والتحدي السوري الراهن.
والفكرة البدئية هنا تتمثل في حالة الإشباع الحضاري والتاريخي والثقافي والانفتاح الذي يتسم بها الشعب السوري، وذلك استنادا إلى الدور الحضاري التاريخي لسوريا في الإقليم وموقعها الجيوستراتيجي الحساس ما بين الشرق والغرب، ولاحقا باعتبارها حاضرة الإمبرطورية الإسلامية الأقوى في التاريخ ( الخلافة الأموية) بكل إنجازاتها، كل هذا يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يقبل الشعب السوري هكذا وببساطة أن تأتي قوى هامشية لكي تملي عليه شروطها وتصوراتها، فالوعي السوري الجمعي يستند إلى ثقافة سائدة تقوم على الانفتاح والتعايش بين موزاييك ومكونات الشعب السوري المختلفة، التي تتقدم فيها سورية على كل مكون اجتماعي فرعي، مهما كان وزنه أو دوره، بهذا المعنى نفهم مقولة سوريا هي الأم الكبرى لكل السوريين (مسلمين، مسحيين، سنة، علويين، دروز، أكراد، تركمان، طبقات، مثقفين..وغيرها) فسوريا ما كانت لتكون ما هي عليه لو لم تكن متصالحة مع ذاتها المتشكلة منذ الأبجدية الأولى للبشرية.
هذا الوعي العميق لخصوصية الذات شكل قوة صدٍّ ثقافية حاسمة في مواجهة الحرب الكونية المتواصلة التي أول ما استهدفت وحدة الشعب السوري في محاولة لتمزيق بنيته التي نسجها بإحكام قطبة قطبة على مر التاريخ، ولهذا تركز الهجوم الإعلامي والأيديولوجي والنفسي على إيقاظ ديناميات التمزق؛ من خلال تسعير ثقافة الطوائف والمذاهب، ومجابهة المدينة مع ريفها، وجنوب سورية مع شمالها، وساحلها ضد عمقها، وإيقاظ ثقافة الأقليات ودفعها لإشعال الحرائق لكي تدمر النسيج الإجتماعي السوري وتبعثر فسيفسائه الجميلة والمتنوعة كشرط أول لنجاح الحرب العدوانية على سورية. غير أن كيمياء الشعب السوري الاجتماعية والثقافية وحالة الإنصهار الفريدة بين مكوناته المختلفة أمنت لهذا النسيج قدرة هائلة على التحمل والاحتواء وحماية الأساسيات وعدم السماح باختراقها.
هذا التكوين الحضاري تعزز وترسخ بخصوصية الموقع الجغرافي الذي لا يحتمل الانعزال والانغلاق .. فسورية حلقة أو جسر ربط بين الغرب والشرق وهي تتوسط البحار الدافئة الخمسة التي أشار إليها الرئيس بشار الأسد أكثر من مرة (المتوسط، الأحمر، قزوين، الأسود، والخليج)، كما أنها حاضنة خط الحرير والتجارة العالمية، لهذا ولكي تستجيب لدورها العالمي فإنها لا تحتمل ضيق الأفق أو الانغلاق أو الأنعزال.. فالمجتمع السوري يدرك منذ بداية التكوين أن عليه تمثل هذا الدور العالمي… تلك خصائص المجتمعات التجارية والمدن التجارية والأنتاجية…إنها تدرك ذاتها كقوة وصل وفعل ووعي وتفاعل.
الترجمة لهذا المعطى تمثلت بنهوض الوعي الجمعي العميق عند الشعب السوري لصدّ هجوم الفكر الديني الوهابي السلفي الذي حاول احتلال الوعي وإزاحة الإسلام الشامي العقلاني والحضاري واستبداله بالتوحش الديني المستند إلى التكفير والقتل والإقصاء والغرائز السفلى، وأيضا تدمير الموروث الحضاري والإنساني الذي يميز التجربة السورية ومحاولة تقديمه وكأنه نقيض مع الاسلام، ويشمل هذا أيضا كسر التآلف والإندماج الديني في الفضاء الاجتماعي السوري، والتعامل مع السوريين المسيحيين وكأنهم خارج الأنساق الاجتماعية السورية، بينما الوعي السوري يتعامل مع جميع الأديان باعتبارها مكون عضوي وطبيعي في البنى الاجتماعية والثقافية والاعتقادية في سورية، بل إن انطلاقة أكبر دينين سماويين نحو العالمية ما كان ليكون بهذا المستوى لولا الحاضنة ومنصة الإنطلاق التي تأسست لهما في بلاد الشام والتأثيرات التي أحدثتها عليهما.
الركيزة الثانية في سفر التكوين السوري، والتي تشكل انعكاسا للخاصية الأولى، تتجلى في الانتماء القومي العروبي المندمج مع الوطنية السورية الحضارية، فالانتماء السوري القومي للعروبة ليس انتماء طارئا أو استخداميا، بل هو انتماء أصيل، حيث أخذت العروبة مداها وتم صقلها في بلاد الشام، فالسوريون مثلا، تميزوا بردهم على تقسيمات سايكس بيكو وعلى الأحلاف الاستعمارية، بتأكيد هويتهم العربية وحمايتها، في الوقت الذي أخذت فيه العديد من الأنظمة العربية المولودة على يد قابلة سايكس – بيكو تبحث عن هويات قطرية مفتعلة لتكريس شرعيتها وتبرير التزامها بمشاريع الاستعمار التقسيمية، لهذا ليس مبالغة أن تكون سورية قلب العروبة النابض، فالشعب السوري لا يرى ذاته إلا في قلب حضارته العربية، فهو من أهم بناتها ومن أهم من أعطاها سماتها وأدوارها، فكيف يتخلى عن ذاته، في هذا السياق تتموضع الوطنية السورية التي تفعل وتتفاعل في إطار عروبتها ولم تر نفسها يوما بديلا لها أو في تناقض معها.
هذه الحقيقة أو البديهة التاريخية، هي التي فاجأت حلف العدوان الكوني على سورية الذي لم يدرك هذه الخصوصية وابعادها، فاقترب من سورية وفي تصوره وقناعته أن سورية كغيرها مجرد مجموعة هشة قابلة للبيع والشراء، وإذا ما استعصت قليلا فيمكن جرها بقوة السلاح لبيت الطاعة الاستعماري، لم تدرك أطراف ذلك الحلف أن استفزازهم المدمر لسورية وشعبها سيوقظ قواها الكامنة، بأساطيرها وحكاياتها وأدوارها، حيث نهض الشعب السوري يدافع عن رايته الأزلية، نهض ليحمي إرثه وتراثه وبهذا راح يهز الأمة العربية ويوقظها من المحيط إلى الخليج، وأكثر من ذلك راح يوقظ ايضا الأمم العظيمة لتقف إلى جانبه في حربه الوطنية العظيمة في مواجهة الوحشية الاستعمارية وثقافة الكاوبوي والنفط، لقد رفعت سورية شعلة أسطورتها الحضارية والإنسانية في مواجهة قوى التخلف والقهر والهيمنة.
لم يدرك حلف الحرب على سورية معنى السيادة الوطنية للدولة السورية كثابت مقدس في وعي الشعب السوري، فغامروا بجهلهم فواجهوا الصمود والمقاومة الأسطورية وصولا إلى الهزيمة. ذلك لأن غالبية الشعب السوري تدرك وتعي معنى استقلال دولتهم الوطنية وسيادتها ووحدة أراضيها، فالذاكرة الجمعية لهذا الشعب وثقافته السائدة لا يمكن أن تقبل باستبدال الدولة الوطنية المستقلة بدولة أو نظام دمية، هذه الحقيقة تستند إلى تجربة وذاكرة عميقة تحضر فيها التضحيات الكبرى التي قدمها الشعب السوري لطرد الاستعمار الفرنسي من سوريا في النصف الأول من القرن الماضي، وقبله التضحيات الكبرى التي قدمها للتخلص من الاحتلال العثماني، كما لا تزال حاضرة في الوعي السوري مشاريع تقسيم سوريا من قبل الاستعمار البريطاني والفرنسي مع نهاية الحرب العالمية الأولى والتي أدت إلى اقتطاع لبنان من سوريا الطبيعية واقتطاع لواء الإسكندرون وإلحاقه بتركيا حتى اليوم، يضاف لذلك الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان منذ عام 1967، كل هذه الحقائق تلعب دورا محوريا في خيارات الشعب السوري، والتي بدون فهمها وفهم أبعادها وثقلها لا يمكن فهم سلوك الشعب السوري.
هذا يعني أن أحد الثوابت الحاسمة في وعي ومواقف الغالبية من الشعب السوري هو رفض أي شكل من أشكال التدخل الإمبريالي في شؤونها وأيضا العداء الواضح وغير القابل للمساومة تجاه الإحتلال الإسرائيلي، وأي نظام بديل لما هو قائم لا يلتزم بهذا الثابت محكوم عليه بالفشل والسقوط منذ اللحظة الأولى.
من هنا تتجلى حساسية الشعب السوري الهائلة لأي تدخل خارجي في شؤونهم وفي وطنهم، بهذا المعنى فإن سورية دائما وعبر التاريخ القديم والحديث كانت دولة محورية مقررة في العالم العربي والإقليم ولم تكن في أي مرحلة دولة هامشية.
استنادا لهذه الحقائق وعلى أساسها، تقف الركيزة الثالثة كثابت من ثوابت الوعي الجمعي السوري، وهي ثقافة المقاومة كخيار إستراتيجي للدفاع عن المصلحة الوطنية السورية من خلال الدفاع عن المصالح القومية للأمة العربية وفي القلب من ذلك قضية فلسطين وشعب فلسطسن، وبناء على ذلك يجري تحديد التحالفات الإقليمية والدولية، وتحديد الأولويات السياسية والاقتصادية، ومن كان هذا خياره من غير المنطقي أن يساوم أو يتهاون تجاه مشروع استعماري يستهدف روحه، هذه مسألة ليست قابلة للمناورة او المراوغة، إنه خيار واع بما يترتب عليه من نتائج وتضحيات.
فلسطين بالنسبة للشعب السوري ليست مجرد جغرافيا بل مكون اجتماعي وتاريخي من مكونات سورية الطبيعية والحضارية بكل رمزيتها الدينية والحضارية، بهذا المعنى تصبح المواجهة مع المشروع الصهيوني مواجهة جذرية حتى النهاية، لهذا يجري استهداف سورية اليوم بكل هذه الضراوة والشراسة، فالمطلوب كسر سورية كنموذج يذكر العرب دائما ببديهيات المواجهات والمقاومات الكبرى التي تتخطى وعي خرفان الخليج ، أو أولئك الذين يضعون العروبة في مواجهة دامية مع الإسلام، بينما العروبة هي الإطار الذي تتفاعل فيه الأديان والمكونات الإثنية والقومية الأخرى ثقافيا واجتماعيا بما يعطي للقومية العربية أبعادها الكونية، فيما التمزيق والتقسيم إلى طوائف وأقليات هشة وبائسة بما في ذلك الإسلام الوهابي السلفي الضيق الأفق اجتماعيا وثقافيا وممارسة هو الذي لا يعترف ولا يعي خصوصية الأوطان والشعوب ويتعامل معها كمجرد قطعان عليها الطاعة أو التكفير، أي الهبوط بالإسلام إلى مجرد لِحى وطقوس وحدود وقطع أعناق، وحرمان للنساء وتدمير للتراث الحضاري الذي يؤشر إلى إبداع الأمة العربية وجدلية أديانها الإنسانية ومنتوج أجيالها السابقة المدهش في مختلف مجالات العلوم والأدب، بحيث لا يبقى سوى اليباس والموت والمخيال المريض المسكون بامتلاك الحوريات.
في هذه البيئة والحاضنة السورية المحكومة بأصولها وأصالتها، المشبعة بذاتها وبأدوارها، الواعية لمصيرها كشعب وأمة، الملتزمة بالحفاظ على سيادتها وكرامتها الوطنية والقومية، من رحم الشعب العربي السوري الذي يقدس انتماءه وثقافته ووحدته الوطنية، المقتنع قولا وفعلا بأنه قلب العروبة النابض، ولد ونشأ الجيش العربي السوري، إنه السبيكة المذهلة التي خلقتها بوتقة الصهر السوري عبر الأجيال والتاريخ، إنه ليس جيش نظام أو أزلام زعيم أو شيخ عشيرة أو شبيحة حارات كما يزعمون، إنه جيش مشبع بعقيدة الأمة والشعب الذي أنجبه، جيش عابر للطوائف والأديان والمذاهب، جيش يجسد ويحمي الروابط الفولاذية التي تعكس وحدة الشعب والأرض، هنا كانت المفاجأة، التي تحطمت أمامها رهانات الأغبياء، عندما توهموا أن هذا الجيش يمكن تمزيقه وتحطيمه بحفنة من الدولارات، أو بفتوى يطلقها شيخ ملتح، إنهم لم يدركوا سرّ هذه السبيكة الفريدة التي تحمل أسرار الفولاذ الدمشقي، مع أن المعادلة سهلة وبسيطة، فشعب مثل الشعب العربي السوري بخصائصه وثقافته ووعيه لا يمكن إلا أن يكون جيشه الوطني جيشا عقائديا، جيناته هي ذاتها جينات الشعب السوري.
لهذا سقطت رهانات العدوان تحت أقدام الجيش العربي السوري وتكومت كأعواد الثقاب المحترقة. لقد حشدوا وجندوا وأفتوا، سلّحوا وصرفوا المليارات، حلّقت عشرات الأقمار الصناعية التي وضعت في خدمة مئات الآلاف من عصابات القتل التي راحت تهاجم سورية من كل الجهات، فضائيات القتل، والتهويل وحشد الجيوش وتهديد الناتو، والعدوان الإسرائيلي المباشر، جنّدوا المحافل الدولية والعربية، لم يتركوا وسيلة من أجل إسقاط سورية وهز عزيمة جيشها، ومع ذلك لم تهتز سبيكة الجيش العربي السوري، الذي لم تحد بوصلته عن أهدافها ولم تغادر خط الواجب أبدا.
شعب كهذا الشعب العربي السوري، وجيش كالجيش العربي السوري، لا بد وأن ينجبا قيادة من ذات المستوى وذات الطراز، قيادة لها ذات المواصفات وتحمل ذات الجينات، وإلا لا مكان لها.. من هنا وفي هذه السياقات جاء الرئيس بشار الأسد، إنه القائد الذي دفعت به أقداره ليقود المواجهة بكل ابعادها… ومع الأهمية الحاسمة والمحورية التي يشكلها الرئيس في منظومة القيادة، إلا أن مفهوم القيادة هنا يتجاوز الفرد، إنها تمتد لتشمل منظومات القيادة بمستوياتها المختلفة (سياسيا وعسكريا واقتصايا وثقافيا وإداريا وأمنيا.. وغير ذلك من حقول ومستويات) … دون أن ينفي ذلك وجود عناصر وقوى شد سلبية وعكسية في مختلف المستويات القيادية.
الرئيس بشار حافظ الأسد، ابن المدرسة السياسية السورية العريقة، يتكيء على إرث عميق، إنه يدرك بأنه يتصدى لقيادة الشعب العربي السوري، إنه يدرك السياقات الكبرى لسورية والشعب السوري، وأيضا سياقات حزب البعث العربي الإشتراكي، هذا الحزب الذي يمكن أن نقول في تجربته ما نشاء، ولكننا لا يمكن أن نتجاوز دوره في بناء سورية الحديثة والحفاظ على تماسكها ومجابهة ما يمس ثوابتها، هذا الحزب بالتأكيد رافقت تجربته منذ الأربعينات أخطأ كبيرة أو صغيرة، لكنه لم يتخط ثوابت الشعب وبديهيات التاريخ، فكان مدرسة في القومية وفي التمسك بالعقائد الأساسية للشعب السوري، الحزب الذي قاوم الاستعمار ورفع راية الوحدة، الحزب العابر للمجتمع السوري بكل فسيفسائه وتكويناته، وعندما نادت سورية لبى النداء وخاض المواجهة إلى جانب حماة الديار والشعب السوري بمختلف أطيافه السياسية الوطنية، إلى هذه البيئة والثقافة ينتمي الرئيس بشار الأسد، إنه رئيس يدرك معدن وخصوصية شعبه وجيشه، ويدرك أنه إن لم يرتق إلى مستويات هذا الشعب فلا مكان له..
ولعل أهم سمة تعكس القدرة القيادية الاستثنائية للرئيس بشار الأسد خلال السنتين الماضيتين (الآن مرت 8 سنوات) تمثلت في هدوئه وصبره وعدم تسرعه إلى الدرجة التي كانت تستفز حتى بعض من يقف إلى جانب سورية، لقد أدار وقاد الرئيس بشار الحرب والمواجهة وهو يدرك أن قطاعات مهمة من الشعب السوري التبست عليها الأمور في مراحل العدوان الأولى، بحيث اختلطت لديها الأهداف والمطالب والشعارات المرفوعة باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي ذات الوقت كان يدرك أن أطراف الحرب العدوانية على سورية يجهلون خصوصية وشيفرة الشعب السوري، ولهذا كان عليه أن ينتظر ويتحمل ويحتوي، حتى بدأت أطراف تلك الحرب تفقد أعصابها فأخذت تندفع بسرعة كاشفة سياساتها وسلوكها وأهدافها، الأمر الذي جعلها تصطدم وبصورة مروعة مع ثوابت ومكونات الشعب السوري، فاصطدمت ثقافة النفط والتخلف الخليجي مع العمق الحضاري للشعب السوري، واصطدمت سياسة الهيمنة الاستعمارية مع ثابت السيادة الوطنية السورية وعروبتها، واصطدمت سياسة التمزيق الطائفي والاجتماعي مع ثقافة الاندماج والوعي الجمعي السوري، واصطدم المشروع السلفي الوهابي مع الإسلام الشامي الحضاري والمسيحية المشرقية الأصيلة، واصطدمت سياسة مد الجسور والتطبيع والتحالف مع المشروع الصهيوني مع خيار المقاومة الاستراتيجي للشعب السوري ودولته الوطنية وقوى المقاومة في العالم العربي، واصطدم عّلَم الاستعمار بنجومه الطائفية الحمراء الثلاث مع علم الوحدة والتحرر القومي بعينيه الخضراوين…
هكذا سقطت ما تسمى المعارضة السورية وحلفاؤها وانكشفت، فإذا بها تستيقظ على أوهامها وهي تقف عارية أمام النهوض المدهش للشعب السوري وجيشه الوطني الذي نهض ليحمي ثوابت الشعب ووعيه الجمعي على كل المستويات، لقد فقدت تلك المعارضة البائسة توازنها واعصابها لأنها لم تدرك ولم تفهم خصوصية وطبيعة الأرض السورية التي تقف عليها فمادت بها، فامعنت في جنونها الدموي، حينها وفي سياق انكشاف المعادلات والأهداف كان خيار الحسم ينضج ويتقدم في الميدان، ومع ذلك وفي سياقات هذه الصيرورة الصعبة والمعقدة كان يجري تعزيز عوامل قوة سورية وتعزيز قدراتها التحالفية والعسكرية، وإعادة تكيف البنى الاجتماعية والعسكرية الاقتصادية مع متطلبات الحرب المعلنة عليها… كل ذلك من على قاعدة التناغم بين مكونات منظومة الشعب والجيش والقيادة وثوابت سورية الحاسمة التي لا تقبل المساومة. هكذا انهار مشروع المعارضة الخليجية – الأمريكية – الأطلسية – الإسرائيلية – الوهابية السلفية.
أما المعارضة الوطنية السورية الأصيلة فقد ثبتت لأنها اعتصمت بحبل سورية وحبل الشعب السوري وثوابته الحضارية والقومية والإنسانية والسياسية فكانت جزءا من معادلة الصمود والتحدي والانتصار.
هذه في تقديري إحدى التجليات المدهشة في ممارسة السياسة والقيادة، اي إجبار جبهة الخصم على الانهيار من داخلها، من خلال اجبارها على ممرات وممارسات وسياسات تفقدها شرعيتها على كل المستويات، فيما ينهض الوعي الشعبي بالمقابل ويتفولذ ويزداد حصانة، حينها تكون جبهات المواجهة أو الحرب قد حسمت.
لكل هذا صمد أصدقاء سورية الإقليميين والدوليين إلى جانبها وثبتوا، ذلك لأنهم عرفوا الشعب السوري عبر تاريخه الطويل، ويدركون شيفرته الكامنة، بينما أخفق العابرون والأغبياء في وعي معادلات التاريخ، ولهذا عليهم أن يدفعوا الآن أثمان جهلهم عند أبواب دمشق وعلى كل شبر من أرض سورية العزيزة.
هذه الحقائق والوقائع جميعها تفسر الصمود والمقاومة الأسطورية وصولا إلى مرحلة الانتصارات الكبرى رغم الأثمان الباهظة التي دفعها الشعب السوري من دمائه ومنجزاته، في مواجهة مشاريع ومخططات إسقاط وتدمير الدولة الوطنية السورية المستقلة وتهميش دورها في العالم العربي وفي الشرق الأوسط والعالم…

مقالات ذات صلة